يحيي بن حمزة العلوي اليمني

47

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

مبيد مقيل السر لا يدرك التي * يحاولها منه الأديب المخادع فقوله : التي يحاولها . من الإبهام الذي لا تفسير له ، ومن أبيات الحماسة « 1 » : صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه * فلمّا علاه قال للباطل ابعد فقوله : صبا ما صبا ، فيه من الإبهام البالغ ما لو تناهيت في تفسيره فإنك لا تجد له من البيان مثل ما تجده في إبهامه ، وكقول بعض الشعراء في صفة الخمر « 2 » : مضى بها ما مضى من عقل شاربها * وفي الزجاجة باق يطلب الباقي والكلام على هذا البيت مثل ما مضى في أمثاله ، ومنه قول بعض المتأخرين : فؤاد فيه ما فيه . فهذا فيه غاية المبالغة لإبهامه ، وكقول ابن الأثير في بعض التقاليد : وأنت مؤهل لواحدة تجلو بها غرر الجياد ، وتناديها العلياء بلسان الإحماد ، وتفخر بها سمر الأقلام على سمر الصعاد ، فقوله : لواحدة ، فيه من الإبهام البالغ ما لا يقوم مقامه البيان ، ومنه قول المتنبي « 3 » : خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به * في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل فقوله : ما تراه ، فيه إبهام عظيم ، ومنه قولهم : بعد اللّتيا والّتى . فإن هذا واقع في الإبهام أعظم موقع ، وما حذفوا الصلة إلا من أجل إرادة الإبهام ؛ لأن الصلة موضحة للموصول في علم الإعراب ، ولهذا توهم بعض النحاة لأجل إيضاحها للموصول ، أنها هي المعرفة له ، وكأنها بلغت مبلغا لا تطيق العبارة على وصفه ، والأمثلة في مثل هذا كثيرة ، وفيما ذكرناه كفاية وتنبيه على ما عداه . « الضرب الثاني » في الإبهام الذي ظهر تفسيره ، وهذا كقوله تعالى : وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ [ الحجر : 66 ] فقوله : ذلِكَ الْأَمْرَ مبهم ، وقد فسره بقوله : أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ وفي إبهامه أولا ، ثم تفسيره ثانيا تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه ، ولو قال من قال من أول وهلة : وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع ، لم يكن فيه ما

--> ( 1 ) البيت لدريد بن الصمة في رثاء أخيه عبد الله بعد ما قتلته غطفان ، انظر البيت في ديوانه / 69 ، الأصمعيات / 108 ، الشعر والشعراء / 755 ، شرح المرزوقي / 821 ، وانظر الإيضاح بتحقيقنا / 43 . ( 2 ) انظر الإيضاح / 43 بتحقيقنا ، والبيت لعبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع ، وقيل إنه لأبى نواس ، والضمير في قوله « بها » للخمر ، ومعنى البيت أنه قد مضى بالخمر قدر كبير من عقل شاربها ، ولا يزال الباقي من الخمر في الزجاجة يطلب الباقي من عقله حتى يذهب كله . ( 3 ) البيت للمتنبى في ديوانه 2 / 89 ، ورواية الديوان « في طلعة البدر » .